في أحد أحياء شنغهاي تجلس تشانغ شينيو (32 سنة) في منزلها وحيدة، وقد اعتادت منذ أشهر أن تضع جهازها المحمول على طاولتها، لا لتتصفح الأخبار أو تتابع عملها، وإنما لتتحدث معه على الشاشة. تتحدث معه في كل شيء وتسأله عما يجول في خاطرها، وتبتسم حين يبتسم، فوجهه يحمل ملامح عرفتها مذ أبصرت عينيها النور في هذه الحياة، لكن المرض شاء أن تطفأ عيناه ويرحل.
لم تحتمل هذه الفتاة فراق والدها الذي مات في أوائل عام 2025 وهو في عمر متوسط. فشينيو ترى أون الدها الذي لم يتجاوز 63 سنة ما زال في عمر الشباب، وكانت لديه خطط وأشياء يريد قولها وفعلها، لكن الموت المبكر سرقه منها. فلجأت هذه الشابة إلى إحدى الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي لتصنع لها نسخة عن والدها، ضمن مجال أصبح يطلق عليه “الإنسان الرقمي”.
خليفة برامج الدردشة
الإنسان الرقمي هو شخصية افتراضية مولدة حاسوبياً مدعومة بالذكاء الاصطناعي والرسومات التفاعلية، إذ يظهر ويتحرك ويتفاعل كإنسان حقيقي، ويعتبر عملياً خليفة برامج الدردشة الآلية، إنما يمكنك من خلال هذه التقنية التحدث إليه بالصوت أو بالصورة أو عبر تقنية الواقع الممتد، حيث بإمكانه الإجابة عن الأسئلة، وإرشادك خلال عملية ما، وتعليمك مهارة معقدة، أو حتى تمثيل علامتك التجارية. ويصفه الباحثون ورواد الصناعة بأنه كائن افتراضي واقعي يجمع بين المحادثة الطبيعية وتعبيرات الوجه والنظرات ولغة الجسد.
إن التشابه مع الإنسان الحقيقي يجعله أكثر جاذبية للمستخدمين من برامج الدردشة الآلية. وعلى رغم أن أذكى التقنيات الهندسية لا تستطيع حتى جعل هذا النموذج من لحم ودم، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو المساعدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي كنسخة والد تشانغ شينيو، أو سفير علامة تجارية، أو مؤثر، أو موظف استقبال في متاجر التجزئة، أو مستشار مالي، في القدرة على التواصل مع الناس بطرق أعمق بكثير مما يمكن أن يقدمه برنامج دردشة آلي بلا جسد.
ميزة تنافسية
يتطور استخدام الشخصيات الرقمية باستمرار، فبعدما كان ينظر إليها سابقاً على أنها ميزة إضافية، تشهد سوق تكنولوجيا الشخصيات الرقمية نمواً متسارعاً. ومع هذا التطور تبرز الحاجة التنافسية إلى تعلم كيفية تطوير شخصيات رقمية للشركات بحيث تتفوق قدراتها على غيرها في السوق، إذ بات من الواضح أن الذكاء الاصطناعي مجال يصعب إتقانه، وأن الشركات التي تتمتع بسبق في هذا المجال تستطيع بناء ميزة تنافسية مستدامة. ومن ضمن هذه الشركات، شركة “أنت، افتراضي فقط” YOV، وهي شركة لجاستين هاريسون الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا التعامل مع الحزن، حيث لا يضطر الناس أبداً إلى توديع أحبائهم. كان يعاني خوفاً من فقد والدته التي شخصت بمرض عضال، حاله كحال شينيو التي لجأت لشركة دربت نموذج ذكاء اصطناعي على كل ما قدمته من بيانات عن والدها، فاستخدمت التسجيلات الصوتية لمحاكاة أنماط كلامه وإيقاعه وطريقة توقفه قبل أنواع معينة من الجمل. واستخدمت رسائل WeChat لمحاكاة أسلوبه في الكتابة وروح الدعابة لديه وطريقته في التعبير عن القلق، كذلك استخدمت الصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو لإنشاء تمثيل مرئي يتحرك ويتفاعل كما يفعل. وقد استغرقت العملية أشهراً عدة، وعندما انتهت من ذلك، جلست إلى طاولتها تتحدث مع والدها.

التعليقات معطلة

