شكلت الثورات الصناعية التي مر بها العالم، نقطة تحول رئيسة في تاريخ البشرية، وأثرت بشكل كامل في جميع نواحي الحياة بشكل لم يسبق له مثيل، فمنذ اختراع الآلة البخارية في منتصف القرن الثامن عشر انطلق العالم في سباق متسارع نحو الصناعة والتصنيع والابتكار الذي لم يتخطَّ فقط حدود الجغرافيا، بل تجاوز كذلك مدى الإدراك ونطاق التخيل. ومنذ ذلك الحين مر العالم بثلاث ثورات صناعية هائلة تغير معها وجه البشرية، وأحدثت تحولات علمية واقتصادية واجتماعية كبرى غطت العالم بأثره، حيث جاءت الثورة الأولى (1760 &ndash 1840) مدفوعة باختراع المحرك البخاري، فيما انطلقت الثورة الثانية في نهاية القرن الـ19، واستمرت حتى أوائل القرن الـ20 مدعومة بالكهرباء، وفي الستينيات من القرن نفسه ظهرت الثورة الثالثة عبر الكمبيوترات المركزية ثم الشخصية والإنترنت فيما بعد. وشكلت الشرارة الأولى للثورة الصناعية في بريطانيا باكتشاف الآلة البخارية في ستينيات القرن الثامن عشر، نقطة انطلاق تسارعت معها وتيرة ازدهار صناعة النسيج والصلب واستخراج الفحم الحجري، وتوسعت شبكات المواصلات وظهرت الجسور الحديثة، وإن كانت السكك الحديدية لم تظهر إلا في أواسط القرن التالي. ويبقى قيام الثورة الصناعية الأولى في المقام الأول تتويجاً منطقياً لتطور علمي هائل جاء ثمرة النهضة الأوروبية التي قامت قبل ذلك بقرنين، كما أنه -بدرجة أقل- نتيجة منتظرة لازدهار الصناعة التقليدية والتجارة العالمية، مع ما رافق ذلك من بروز الحاجة إلى وسائل وأدوات إنتاجية تُمكن من الاستجابة للحاجة المتزايدة للسوق العالمية التي لم تعد الصناعة التقليدية اليدوية قادرة على تلبيتها. لكن لا بد من إبراز حقيقة أن تطور إنتاج الفحم الحجري في بريطانيا -وهو مصدر الطاقة الأهم في العالم حينها- فتح عيون الفاعلين الاقتصاديين على استشراف آفاق توظيف هذه الإمكانيات على نحو أنجع بإدماجها في القاعدة الإنتاجية. ويرى مؤرخون أن الثورة البريطانية امتدت من 1770 إلى 1830، وهو ما مكّن بريطانيا من تحقيق تفوق هائل جعلها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم إلى أواسط القرن العشرين، ومع بدايات القرن التاسع عشر، عرفت دول أوروبا -وعلى رأسها فرنسا- التصنيع متأثرة بالثورة الصناعية البريطانية، وقد دخلت فرنسا عصر التصنيع بشكل فعلي بعد ثورة 1789، وتحديداً خلال ما يُعرف بفترة «ملكية يوليو»، أي في حدود سنة 1830. وفي تلك المرحلة، كانت ألمانيا هي الأخرى -ومعها أغلب بلدان أوروبا الغربية- تخطو على نفس الطريق، كما انتشر إشعاع الثورة الجديدة إلى أميركا الشمالية. ولم تصبح ألمانيا دولة صناعية إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، متخلفة عن سويسرا وبلجيكا اللتين عرفتا التصنيع على نطاق مهم منذ أربعينيات ذلك القرن. الثورة الصناعية الثانية تتجلّى الثورة الصناعية الثانية في إدخال الآلات والآلية إلى الوحدات الإنتاجية، وبالتالي توسّط الآلة بين العامل وموضوع العمل وتزايد العمليات المنجزة بمساعدة الآلات. وإذا كان جوهر الثورة الصناعية الأولى يُعبّر عنه في استبدال الوسائل المادية الآلية بالوظيفة العضلية للعامل؛ فإنّ جوهر الثورة الصناعية الثانية، يُعبّر عنه في استبدال الوسائل المادية الآلية أيضاً ببعض الوظائف العقلية للعامل، والتي أحدثت قفزة نوعية جديدة في الإنتاج الصناعي، وبذلك، يكون الهدف الوحيد للاستبدال هو: الإحلال الفيزيائي للآلة محل العامل. وشكلت الثورة الصناعية الثانية، أو المعروفة أيضاً باسم الثورة التكنولوجية، مرحلة جديدة ضمن الثورة الصناعية الكبرى وتوافق النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى، وقد بدأت مع طريقة بسمر لتصنيع الصلب في ستينيات القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في إنتاج كميات كبيرة والوصول إلى خط الإنتاج. ويرى المؤرخون أن الثورة الصناعية الثانية هي الثورة التي أدت إلى استمرار الثورة الصناعية الأولى وتميزت هذه الثورة مع زيادة اعتماد النقل والبخار والتصنيع على نطاق واسع من أدوات الآلات، والزيادة في استخدام الآلات البخارية في الشركات، حيث بنيت العديد من خطوط السكك الحديدية مع التوجه نحو منتجات الصلب والحديد على نطاق واسع. وفي أواخر القرن التاسع عشر، عزز اكتشاف الباحث الأميركي توماس أديسون للكهرباء والمصباح الكهربائي الذي يعد آخر اختراع رئيس في المرحلة الثانية من الثورة الصناعية وما تلاه من الاتصالات الكهربائية، الأمر الذي قاد قاطرة التطور الصناعي السريع في هذه الفترة في أوروبا الغربية (بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، والبلدان المنخفضة)، وكذلك الولايات المتحدة واليابان، وبعد ذلك توالت الإنجازات العلمية بابتكار طرق لتكثيف الموجات الصوتية وظهور التليفون والإذاعة والتلفزيون والطائرة. الثورة الصناعية الثالثة يتجسّد جوهر الثورة الصناعية الثالثة في تحقيق تحوّل نوعي في عملية الإنتاج، من خلال إدخال الأتمتة: أي إدارة الآلات ذاتياً بوساطة التحكّم الآلي (الأوتوماتيكي)، ويعد هذا التطور الذي قاد إلى تعديلٍ عميق في وضع العامل في أثناء عمليات الإنتاج، إذْ يحلّ نظام ضبط يعمل بصورةٍ منفصلة ومن بعد، محل الصلة المباشرة بين العامل والآلة

 

التعليقات معطلة.