يشكو غالبيتنا اليوم من صعوبة تذكر المعلومات على رغم أن بعضها يمر أمامنا بصورة دورية، وفي خضم السيل الجارف من المعلومات التي تطالعنا في كل مكان يعتقد بعضهم أن كثافة التعرض للمعلومات يجعل من الصعب تخزينها، فالعقل لم يسعفه الوقت للتوقف أمام كل معلومة وتخزينها بالآلية الصحيحة، ولكن الحقيقة أن للأمر أبعاداً أخرى تتعلق بكيفية استجابتنا وتفاعلنا من العالم الرقمي الذي يوافر لنا المعلومات، إذ يبدو الأمر وكأنه تفويض كامل لهذا العالم ليصبح المكان الذي نحفظ فيه المعلومات، مستعيضين به عن ذاكرتنا البشرية.
والحقيقة أن محرك البحث “غوغل” أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لدرجة أنه أضيف كفعل جديد إلى قاموس “أكسفورد” الإنجليزي منذ عام 2006، ليشير فعل “google” إلى استخدام المحرك للبحث عن المعلومات على الإنترنت، ومن هنا اصطلح العلماء على تسمية ظاهرة الاعتماد على محركات البحث “تأثير غوغل” أو “فقدان الذاكرة الرقمي. Digital Amnesia”
النسيان الرقمي
وتأثير “غوغل” حال من التفويض المعرفي الطوعي، والاعتماد عليه كذاكرة بديلة للذاكرة البشرية الخاصة في حال يميل فيها الدماغ البشري إلى نسيان المعلومات التي يسهل العثور عليها على الإنترنت أو القابلة للبحث، إذ تتلخص الفكرة في تركيز الدماغ على تذكر مكان المعلومة أو طريقة الوصول إليها بدلاً من حفظ المعلومة ذاتها، وهو ما غيّر بصورة كلية الطريقة التي تخزن بها الذاكرة المعلومات، وزاد حال الاتكالية على محركات البحث والأدوات الذكية عامة، إذ يميل المرء بصورة طبيعية إلى إغفال المعلومات التي يعلم أنها ستظل متوافرة لوقت لاحق، وهذه الحال من الإتاحة للمعلومات والوصول السريع والسهل إليها بضغطة زر، جعلت خيار الحفظ بعيداً، فطالما أن الأجهزة الذكية تحفظ أرقام الهواتف وتواريخ الميلاد والمعلومات وحتى الكتب الرقمية، فما الداعي إلى تحمل عناء حفظها؟ وبكلمات أدق فهي حال من التكيف العصبي مع بيئة معلوماتية جديدة، جعلت من البديهي التعامل مع “غوغل” كذاكرة خارجية، وكأن محركات البحث أصبحت امتداداً لذاكرتنا الشخصية، إذ وجدت دراسة شهيرة أجراها متخصصون في جامعة هارفارد وكولومبيا عام 2011 أنه عندما طلب من المشاركين حفظ معلومة ما مع علمهم أنها ستُحفظ على الكمبيوتر، كان أداء تذكرهم للمعلومة ذاتها ضعيفاً مقارنة بتذكرهم لمكان حفظ المعلومة الذي بدا لافتاً.

التعليقات معطلة.