على رغم القوة التي يحظى بها الذكاء الاصطناعي اليوم متسلحاً بأذكى أدواته العامة، النماذج اللغوية الكبيرة، إلا أن نقطة قوته وشهرته ووجوده بين يدي العامة أضحت تشكل اليوم هاجساً أشبه باللغز، إذ تحمل في أعماقها صندوقاً أسود يضم آليات عملها وطريقة تفكيرها التي لا يعرفها بشر قط. فهذه النماذج لم تبرمج مباشرة على يد البشر، بل دربت وغذيت بالمعلومات من مصادر لا حصر لها وابتلعت كميات هائلة من البيانات، لذا بنت خلال عملية التدريب هذه استراتيجياتها الخاصة لحل المشكلات، مشفرة في مليارات العمليات الحسابية التي يجريها النموذج لكل كلمة يكتبها، لتصل لمطوريها ملغزة. فالحقيقة أن حتى مطوريها لا يفهمون كيف تقوم النماذج بمعظم مهامها، وكل ما يمكننا معرفته اليوم شيئان فحسب، الأوامر التي نزودها بها والمخرجات التي تولدها، لكن كيفية وصولها إلى أي إجابة لا تظل لغزاً.
ولكن هذا الغموض تتبعه جملة من المشكلات والمخاوف، تتجسد في هلوستها وكسرها الحماية المفروضة عليها ونشرها معلومات خاطئة أو حتى مختلقة بثقة عالية، تشكل تحديات تؤرق الباحثين.
مجهر الذكاء الاصطناعي
لكن يبدو أن “أنثروبيك”، شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتخصصة بالنماذج اللغوية الكبيرة والذكاء الاصطناعي العام، قررت ألا تقف مكتوفة الأيدي بعد اليوم، بعدما طور باحثوها أداة جديدة أطلقت عليها “مجهر الذكاء الاصطناعي” للمساعدة في فهم كيفية عمل النماذج اللغوية الكبيرة والآلية التي تفكر بها.
الأداة الجديدة قادرة على فك تشفير طريقة تفكير النماذج استلهاماً من مجال علم الأعصاب، فما بناه باحثو “أنثروبيك” يشبه في جوهره فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي التي يستخدمها علماء الأعصاب لمسح الأدمغة البشرية، وتحديد مناطق الدماغ التي تلعب الدور الأكبر في جوانب الإدراك المختلفة. وطبقت “أنثروبيك” هذه الأداة، الشبيهة بالرنين المغناطيسي، على “كلود 3.5 هايكو” الخاص بها، لتقدم بذلك مجموعة تفسيرات قدمت أجوبة أولية عن التساؤلات الرئيسة حول كيفية عمل “كلود” ورفاقه.
بيولوجيا الذكاء الاصطناعي
وفي هذ الصدد شاركت الشركة، التي أنشأها أعضاء سابقون لشركة “أوبن أي آي”، ورقتين بحثيتين تمثلان تقدماً في تطوير مجهرها وتطبيقه لاكتشاف بيولوجيا الذكاء الاصطناعي الجديدة. فبينما تكشف الورقة الأولى أجزاء من المسار الذي يحول الكلمات التي تدخل في “كلود” إلى الكلمات التي تخرج منه، تسلط الورقة الثانية الضوء على العالم الداخلي لنموذجها “كلود 3.5 هايكو” وتجري دراسات معمقة لمهام بسيطة.
وطرحت “أنثروبيك” أسئلة عدة حول نموذجها “كلود”، فمثلاً يستطيع “كلود” التحدث بعشرات اللغات، ما هي اللغة التي يستخدمها في عقله، إن وجدت؟ ويكتب النص كلمة كلمة، فهل يركز فقط على توقع الكلمة التالية أم إنه يخطط مسبقاً؟ ويستطيع “كلود” كتابة الطريقة التي فكر بها خطوة بخطوة، فهل يمثل هذا التفسير الخطوات الفعلية التي اتخذها للوصول إلى إجابة، أم إنه يختلق أحياناً حجة معقولة لنتيجة محسومة مسبقاً؟


