تتسم الحرب الحالية الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بضربات عسكرية قوية ومفاجئة. ولكن هناك بالتأكيد ضربات خفية نفذت عبر عمليات إلكترونية، ولم يسلط الإعلام الضوء عليها. وعلى رغم عدم صدور أي تصريح رسمي أميركي أو إسرائيلي أو إيراني يفيد باستخدام عمليات إلكترونية خلال الساعات الماضية، إلا أنه وبالنظر إلى واقع الحروب الحديثة، فضلاً عن التاريخ الطويل للحرب الإلكترونية، لا سيما حول إيران، يبدو من غير المعقول ألا يكون للقدرات الإلكترونية دوراً محورياً في هذه الحرب الطاحنة.
كيف تستخدمها أميركا؟
بحسب ما نشر من معلومات في الصحافة الأميركية، نقلاً عن مسؤولين أميركيين سابقين رفيعي المستوى في مجال الأمن السيبراني، وخبراء عمليات، فإن أولى الخطوات التي اتخذتها القيادتان السيبرانية والمركزية في الولايات المتحدة هي حماية أنظمة وشبكات الاتصالات العسكرية واستخدام الأمن السيبراني لتوفير معلومات استخبارية قيمة، سواء من خلال استطلاع الأهداف لضربها فعلياً، أم من خلال تقديم رؤى حول تفكير بعض أعضاء النظام الإيراني.
هذه المعلومات قد تشمل تحديد مواقع الأفراد ذوي الأهمية الكبيرة، ونوايا النظام الحالية في ما يتعلق بأماكن نقل هؤلاء الأفراد، وكيفية حمايتهم، أو كيفية استعداده للرد وإطلاق الصواريخ على الأهداف. وتتيح هذه المعلومات القدرة على اتخاذ إجراءات استباقية، قبل أن يتمكن الخصم من تحقيق أهدافه، أو تهيئة الأفراد للدفاع عن أنفسهم.
في العادة، يمكن أن يثبت الأمن السيبراني جدواه عند بدء الضربات العسكرية من خلال استهداف دفاعات العدو وشبكات اتصالاته، ليس لتمكين القوات الصديقة من توجيه ضربات تحمل أخطاراً قليلة فحسب، بل أيضاً لتصعيب مهمة العدو في تنفيذ عملياته. وقد يشمل ذلك استهداف أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، ورادارات الإنذار المبكر، وشبكات القيادة والسيطرة والاتصالات.
ومن المرجح أن يلعب الفضاء الإلكتروني دوراً في عمليات التضليل الإعلامي، وقد يشمل ذلك توجيه رسائل إلى الشعب الإيراني لتحديد كيفية حشد الشعب في ظل حالة الفوضى التي يعيشها النظام الإيراني، وإرسال رسائل موجهة إلى أعضاء النظام وأجهزته العسكرية.
رسالة إلى مؤيدي النظام الإيراني
من الأمثلة البارزة على اعتماد الحرب السيبرانية في الصراع الحالي هو الاختراق لتطبيق “بادي سابا”، وهو تطبيق تقويم ديني واسع الانتشار، تجاوز عدد مرات تحميله 5 ملايين مرة، ويستخدمه الإيرانيون لتتبع أوقات الصلاة. وقد مكن هذا الاختراق الإلكتروني من إيصال رسائل مستهدفة مباشرة إلى المستخدمين، من بينها تحذير بأن النظام الإيراني “سيدفع ثمن أفعاله الوحشية التي لا ترحم ضد الشعب الإيراني البريء”. وتوجهت الرسالة إلى مستخدمي التطبيق الديني، الذين يعتقد أن كثر منهم من مؤيدي النظام، قائلة “سيمنح العفو والمغفرة لكل من ينضم إلى الدفاع عن الأمة الإيرانية وحمايتها”. وإضافة إلى اختراق تطبيق “بادي سابا”، تعرضت مواقع إخبارية إيرانية رسمية عدة للاختراق، كما وردت تقارير عن هجمات سيبرانية استهدفت مؤسسات حكومية إيرانية عدة وأهدافاً عسكرية للحد من أي رد إيراني منسق.
نهج جديد للبيت الأبيض
لم تصدر إدارة ترمب حتى اليوم استراتيجيتها الوطنية المتوقعة للأمن السيبراني، التي يتوقع أن تعبر عن نهج أكثر حزماً في العمليات السيبرانية الهجومية مقارنة بالإدارات الأميركية السابقة. ومع ذلك، تقدم العمليات العسكرية الأخيرة في فنزويلا، والآن في إيران، مؤشرات قوية على نهج البيت الأبيض.
فمباشرة بعد عملية “العزم المطلق” في يناير (كانون الثاني) الماضي، اتخذ الرئيس دونالد ترمب قراراً غير مسبوق بادعاء الفضل في انقطاع التيار الكهربائي في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، بينما صرح رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين بأن الفضاء السيبراني وعمليات الفضاء عززا الغزو البري. وكانت استعدادات الإدارة الأميركية لمناقشة العمليات والقدرات السيبرانية الهجومية علنية، إذ صرح ترمب بأن كاراكاس فقدت الكهرباء، “بسبب خبرة معينة يمتلكونها”، وهي بمثابة تجربة غير مسبوقة للولايات المتحدة.
ومرة أخرى، وبعد أيام قليلة من الهجمات على إيران، تحدث رئيس هيئة الأركان المشتركة علناً عن دور القيادة السيبرانية الأميركية وقيادة الفضاء الذي أعاق قدرة النظام الإيراني على الرد، وتشير التصريحات العلنية لكبار القادة الأميركيين عقب كلا النزاعين مباشرة إلى أن الإدارة ستواصل الاستفادة من القدرات السيبرانية الفريدة والترويج لها علناً

التعليقات معطلة.