في ساحة الحرب الحديثة حيث تنطلق الصواريخ بسرعة البرق وترصد الرادارات كل ما يتحرك في السماء، لم يعد يتوقف النصر بالضرورة على القوة الغاشمة، بل بات يحتاج أيضاً إلى التشويش الماكر، وهنا يأتي دور طائرات الحرب الإلكترونية، الحراس الخفيون للطيف الكهرومغناطيسي. فهذه الطائرات ليست مصممة للمعارك أو الغارات الجوية، وأسلحتها عبارة عن موجات طاقة غير مرئية تشوش على رادارات العدو، وتضلل الاتصالات، وتعطل أجهزة الاستشعار قبل إطلاق النيران.
لا تتصدر هذه الطائرات عناوين الأخبار، لكن بصماتها تترك أثراً واضحاً في كل مواجهة كبرى. ففي حرب الخليج عام 1991، شلّت طائرات “براولر” و”ريفن” الدفاعات الجوية لصدام حسين، وخفضت عمليات إسقاط الطائرات بنسبة 90 في المئة. وخلال حملة ليبيا في عام 2011، شوشت طائرات “غراولر” على رادارات القذافي، ممهدةً الطريق أمام قاذفات حلف شمال الأطلسي للتخفي. أما في حرب أوكرانيا، فتستخدم كل من موسكو وكييف طائرات حرب إلكترونية من دون طيار محولتان بذلك الطيف الترددي إلى ساحة صراع لا تقل أهمية عن المعارك البرية.
وقد استخدمت القوات الأميركية أخيراً طائرات الهجوم الإلكتروني “إي إيه 18 جي غراولر” التابعة للبحرية خلال الضربة التي شنتها على فنزويلا، حيث وظفت تشويشاً عالي الطاقة لتعطيل طبقات عدة من شبكة الدفاع الجوي الفنزويلية.
تاريخ طائرات الحرب الإلكترونية
تعود جذور الحرب الإلكترونية إلى ما هو أقدم مما قد نتصور، إذ تسبق عصر الطائرات النفاثة بعقود. ففي عام 1904 وخلال الحرب الروسية – اليابانية، قامت القوات الروسية بتشويش الاتصالات اللاسلكية للبحرية اليابانية باستخدام أجهزة إرسال بدائية تعمل بتقنية غير متطورة لحرمان الطائرات من الاتصال عبر الأثير. وشكل هذا الأمر بداية الحرب الإلكترونية كتكتيك مدروس، متطوراً من الاستماع السلبي إلى التشويش الفعال.
لاحقاً أسهمت الحرب العالمية الثانية في تسريع سباق التسلح في هذا المجال الخفي، إذ قامت دول الحلفاء والمحور على حد سواء بتجهيز قاذفات القنابل بطلاءات ماصة للرادار وموزعات رقائق معدنية، وهي عبارة عن شرائط من رقائق معدنية تشوش على مناظير العدو. مع نهاية الحرب، أنقذت الحرب الإلكترونية أرواحاً لا تحصى، مثبتةً أن تعطيل الإشارات قد يكون أشد فتكاً من الرصاص.

التعليقات معطلة.

