في يناير (كانون الثاني) 2025 نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره السنوي لمستقبل الوظائف، في هذه الأثناء كانت هبة تجلس وراء مكتبها تطالع المواقع الإلكترونية وتتأمل شاشة حاسوبها بقلق متزايد، أثار دهشتها الرقم الذي تصدر التقرير، حيث 40 في المئة من المهارات الأساسية للعاملين ستصبح قديمة بحلول 2030، وبينما تقرأ عن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي تكتب الأكواد بكفاءة مذهلة، بدأ القلق يتسرب إلى قلب مهندسة البرمجيات ذات الـ30 ربيعاً التي أنفقت جل عمرها في صقل مهاراتها التقنية، وتساءلت في نفسها “ماذا سيتبقى لي إذاً”؟.
هو قلق يمكن أن يعتري ملايين المحترفين حول العالم الذين يواجهون ذات التساؤل الوجودي، ما الذي يجعل الإنسان لا غنى عنه، في عالم تهيمن عليه الآلات الذكية؟ لكن الإجابة أبسط بكثير مما يمكن أن يفكر به العقل البشري.
بصمة الإنسان
الذي يجعلنا لا مثيل لنا، هو المهارات التي لا مثيل لها، تلك التي لا تقدر بثمن لأنها بصمة متفردة صقلتها تجارب مختلفة لكل منا ومخزون من المعارف والتجارب لا تتطابق حتى بين التوائم، هي المهارات القابلة للنقل، مهارات غير مرتبطة بزمان أو مكان أو ظرف، تنتقل معنا من وظيفة إلى أخرى، بل ومن عصر تكنولوجي إلى آخر، هي منا أينما ذهبنا ونحن معها مكتفون ذاتياً، إذ لا تحتاج إلى أية أدوات خارجية.
هي المهارات المتمحورة حول الإنسان، التي تذكر الإنسان بأصالة ما لديه، ولا يمكن للآلات مهما بلغت ذكاء أن تصل إليها، وهي حجر العقد في الحياة المهنية، على رغم أن توظيفها لا يقتصر على المهنة، بل يمتد ليكسب المرء ذكاء في التعامل مع المستجدات والظروف الحياتية وتحويل كل مهمة إلى تحد ممتع.
مهارات إنسانية
قدم تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي استطلع ما يزيد على ألف مؤسسة توظف أكثر من 14 مليون عامل، آخذاً بالاعتبار صعود الذكاء الاصطناعي والآثار المترتبة عليه، صورة جديدة تكشف عن تحول جذري في سوق العمل، وأخطر ما في هذا التحول ليس حجمه بل طبيعته، ربما هي المرة الأولى، التي تحتل فيها المهارات الإنسانية (التفكير التحليلي وحل المشكلات، والإبداع والابتكار، والمرونة والقدرة على التكيف، والقيادة والتأثير الاجتماعي، والإشراف البيئي والامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، والذكاء العاطفي والتعاطف) سبعة من أصل 10 مراكز في قائمة المهارات الأسرع نمواً في الطلب، لتتراجع المهارات التقنية، التي كانت تتصدر هذه القوائم لعقود، إلى مراتب ثانوية.

التعليقات معطلة.

