قمة مصرية أوروبية فى بروكسل.. بعد أيام قليلة من قمة السلام فى شرم الشيخ جمعت زعماء القارة العجوز، وهو ما يحمل الكثير من الرسائل والدلالات بشأن طبيعة العلاقات وحجم الشراك.. والأهم هو التوافق والتقارب فى المواقف والقضايا المهمة.
خبراء العلاقات الدولية يرون أن مصر نجحت فى تقديم نفسها كشريك محورى فى معادلة الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، وهو ما يدركه الاتحاد الأوروبي، لذا يسعى لتعزيز الدور المصرى فى تهدئة الأزمات الإقليمية، وعلى رأسها الملف الفلسطيني، إلى جانب تعزيز التعاون فى قضايا الهجرة غير الشرعية والطاقة والتنمية المستدامة، مشددين على أن قمة بروكسل شكلت محطة مهمة فى مسار تعميق الشراكة بين مصر والاتحاد الأوروبي، إذ يسعى الجانبان إلى تحويل التعاون من مستوى التفاهمات إلى خطط تنفيذية فعلية فى مجالات التجارة والاستثمار والطاقة.
من ناحيته، قال السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصرى للعلاقات الخارجية: انعقاد القمة المصرية الأوروبية يحمل دلالات سياسية عميقة من حيث التوقيت والمضمون، مشيرًا إلى أنها تمثل أول اجتماع لتفعيل اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، الذى جرى الإعداد له منذ فترة طويلة وشهد تحضيرات مكثفة على المستويين الاقتصادى والسياسي.
وأضاف رخا أحمد حسن: إن وزيرة التخطيط والتعاون الدولى رانيا المشاط قامت بعدة زيارات أوروبية خلال الأشهر الماضية، لبحث الملفات الاقتصادية وتفاصيل الدعم المالى والاستثمارى الذى يقدمه الاتحاد الأوروبى لمصر، مبينًا أن الجانب الأوروبى يولى اهتمامًا خاصًا بالمشروعات الاستثمارية ذات الجدوى الإنتاجية فى مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والتنمية المستدامة.
وتابع: إن تطورات الأوضاع فى قطاع غزة ألقت بظلالها على القمة، حيث جاءت بعد تصاعد المأساة الإنسانية واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التى ترقى إلى الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن مصر والاتحاد الأوروبى يتوافقان فى رؤيتهما بضرورة وقف الحرب وتهيئة المناخ لاستئناف عملية السلام وفق حل الدولتين، وأن هذا التوجه بدأ يجد صدى لدى عدد من الدول الأوروبية التى بادرت مؤخرًا بالاعتراف بدولة فلسطين، مثل إيرلندا وإسبانيا والنرويج، وهو ما يمثل خطوة سياسية ذات تأثير كبير على الموقف الأمريكى الداعم بلا تحفظ لإسرائيل.
ولفت السفير رخا أحمد حسن إلى أن هذا التحول الأوروبى يعكس تغيرًا فى المزاج العام داخل المجتمعات الأوروبية، حيث خرجت مظاهرات واسعة وضغوط برلمانية وإعلامية أجبرت حكومات أوروبية حتى اليمينية منها مثل إيطاليا وهولندا على إعادة النظر فى مواقفها، خشية خسارة تأييد الشارع فى الانتخابات المقبلة، موضحًا أن الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة نفسها بدأت تؤثر على توجهات الإدارة الأمريكية، إذ شهدت الجامعات والشارع الأمريكى مظاهرات واسعة ضد دعم إسرائيل، ما دفع الرئيس الأمريكى إلى الإقرار بأن إسرائيل “أصبحت فى عزلة رغم تفوقها العسكري”.
وأضاف السفير رخا أحمد حسن أن هذه التطورات دفعت واشنطن إلى طرح مبادرة جديدة تهدف إلى التهدئة وإطلاق عملية تسوية شاملة، مشيرًا إلى أن القمة التى عُقدت فى شرم الشيخ كانت تمثل إطارًا داعمًا لهذه المبادرة الدولية من خلال دور فاعل للدول الأوروبية فى تثبيت وقف إطلاق النار، وتحويله إلى هدنة دائمة بضمانات دولية واضحة.
وتابع السفير رخا أن المرحلة التالية يجب أن تركز على إعادة إعمار قطاع غزة، موضحًا أن الاتحاد الأوروبى سيشارك بفعالية فى مؤتمر دولى من المزمع عقده فى القاهرة نهاية نوفمبر المقبل لإطلاق خطة شاملة لإعادة الإعمار، تشمل مرحلتين، وهما المرحلة العاجلة لإعادة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحى والمستشفيات والمدارس، والمرحلة اللاحقة لإعادة بناء البنية التحتية والقطاع الزراعى والصناعى المتضرر.
وأشار السفير رخا أحمد حسن إلى أن مصر ستظل المحور الأساسى فى هذه الجهود، من خلال إدارة المعابر وتنسيق دخول المساعدات الإنسانية وضمان الأمن والاستقرار.
وفيما يتعلق بملف السد الأثيوبي، أوضح السفير رخا أحمد حسن أن موقف الاتحاد الأوروبى داعم للرؤية المصرية القائمة على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، لكنه أشار إلى أن تأثير أوروبا “سياسى أكثر منه ضغط مباشر”، باعتبار أن القرار فى جوهره قرار أثيوبى داخلي، مضيفًا أن القوى القادرة فعليًا على الضغط على أديس أبابا هى الولايات المتحدة وروسيا والصين، خاصة أن للصين مصالح اقتصادية كبرى فى قطاع الطاقة الأثيوبي، والاتحاد الأوروبى يمكنه فقط أن يدعم مصر سياسيًا ودبلوماسيًا فى هذا الملف.
وتحدث السفير رخا أحمد حسن عن توازن الدبلوماسية المصرية فى علاقاتها الدولية، مؤكدًا أن القاهرة لم تعد تدور فى فلك قوة واحدة، بل تمارس سياسة تنويع الشركاء الاستراتيجيين مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين على أساس المصالح المشتركة.
وقال السفير رخا أحمد حسن إنه منذ نحو عشرين عامًا بدأت مصر تتبنى سياسة تقوم على الانفتاح على القوى الكبرى جميعًا، مستفيدة من مكانتها الجغرافية ودورها المحورى فى المنطقة، وهو ما مكّنها من الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، مضيفًا أن تنوع الشركاء الاقتصاديين والعسكريين، من شراء الطائرات من فرنسا، والتعاون النووى مع روسيا، والمشروعات التكنولوجية مع الصين، يمثل تجسيدًا عمليًا لسياسة الحياد الإيجابي، وأن مصر اليوم تنتهج دبلوماسية متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة لا على التبعية لأى طرف.

 

التعليقات معطلة.