من نافلة القول إن صعود نماذج اللغات الكبيرة غير طريقة تواصلنا، سواءً بالكتابة أو التحدث، إذ تعيد أدواتها وأنظمتها تشكيل تفاعلاتنا البشرية وطريقة تعبيرنا عن أنفسنا، والحقيقة أن روبوتات الدردشة الحديثة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، تشكل وسيلة مبتكرة تشفر الأنماط الثقافية ونشرها في محادثاتها مع البشر. في الواقع نحن لا نستخدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي فحسب، بل نعيشها، هي أول شيء يقابلنا وآخر شيء أيضاً.
فهل تنتقل هذه الأنماط إلى اللغة البشرية لتسهم في نهاية المطاف بتشكيل الثقافة البشرية؟
التواصل المنطوق
والصحيح أن هناك كلمات يكررها النموذج الذكي في إجاباته النصية، وقد تنبهت بعض المعاهد البحثية إلى تزايد استخدامها من قبل البشر، بخاصة في الأبحاث العلمية، إذ أصبح غالب الباحثين يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل عملهم على أبحاثهم، لتعكس شعبية بعض الكلمات قدرة الذكاء الاصطناعي على تشكيل الكلام البشري.
في هذا السياق، قدم أرشيف “أرخايف “arXivلمسودات الأوراق العلمية الإلكترونية المكتوبة في المجالات العلمية المتنوعة، أدلة تجريبية على تأثير نموذج اللغة الكبير في التواصل المنطوق بين البشر، إذ طبق الباحثون تقنيات الاستدلال السببي الاقتصادي القياسي على 740249 ساعة من الخطاب البشري، مستمدة من 360445 محاضرة أكاديمية على “يوتيوب” و771591 حلقة بودكاست حوارية عبر تخصصات عدة، كانت نتيجتها رصد زيادة ملحوظة ومفاجئة في استخدام الكلمات المفضلة من قبل “تشات جي بي تي”، مثل delve “ينقب” وcomprehend “يفهم” وswift “سريع” و meticulous “شديد التدقيق”. وبحسب التقرير “تشير هذه النتائج إلى سيناريو يمكن فيه للآلات المدربة أصلاً على بيانات بشرية أن تعيد تشكيل الثقافة البشرية بصورة ملموسة، وهذا يمثل بداية حلقة مغلقة من التغذية الثقافية الراجعة، إذ تنتقل السمات الثقافية في اتجاهين بين البشر والآلات”.
ومن هنا تظهر بوضوح الصلة بين اللغة المولدة آلياً وطريقة تواصل البشر في البيئات المهنية أو الشخصية، وقد شجعت هذه النتائج الباحثين على إجراء مزيد من الأبحاث حول تطور ثقافة الإنسان والآلة، إذ أثارت مخاوف حقيقية في شأن تآكل التنوع اللغوي والثقافي.
نظرية التكيف في التواصل
تعد نظرية التكيف أو التوافق من النظريات الموضوعة لتوفير أطر عمل لتفسير التفاعلات الاجتماعية، طورها عالم النفس هوارد جايلز في السبعينيات، وأصبحت واحدة من النظريات الرائدة في فهم الديناميكيات الاجتماعية للتواصل.
تنطلق النظرية من أن الأفراد يدخلون في تفاعلات تحمل توقعات ومتطلبات ورغبات، تشكل مجتمعة موقفاً تفاعلياً، وفي خضم هذا التفاعل يقوم المتكلم بتعديل أسلوبه وطرقه في التواصل لمحاولة التوافق مع أنماط لغة الآخرين الذين يتفاعلون معه، بغرض تيسير الفهم وبناء درجة من التوافق.
وتشير النظرية إلى أن التكيف هذا يتم من طريق تغيير جوانب معينة في طريقة الكلام، مثل اللغة المستخدمة أو سرعة الكلام، بهدف تحقيق تفاهم أفضل، لا سيما في سياقات جديدة أو مع أشخاص يختلفون في خلفياتهم الثقافية أو الاجتماعية، وانطلاقاً من هنا يبدو وكأن البشر بدأوا لا شعورياً، من خلال تفاعل البشر المتكرر مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، في تقليد عناصر معينة مثل اختيار كلمات معينة أو تركيب جمل.
نبرة سلطوية
والحقيقة أن للنماذج اللغوية الكبيرة (نماذج حسابية قادرة على معالجة اللغة الطبيعية) نبرتها السلطوية ودقتها في توصيل الكلام، لهذا السبب يميل المستخدمون إلى تبني لغتها من دون أن يدركوا ذلك، ثم تنتقل هذه التغييرات الطفيفة إلى الحوار المنطوق اليومي.
وهنا يوضح علم نفس اللغة، الذي يدرس كيفية معالجة العقل للغة، كيف تصبح المدخلات اللغوية الخارجية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي جزءاً من روتيننا المعرفي، وكيف يمكن للتفاعلات المتكررة مع أدوات الذكاء الاصطناعي أن تعيد صياغة طريقة تفكيرنا وتحدثنا، إذ يعدل الدماغ أنماطه بناءً على التعرض المتكرر، نظراً إلى المرونة التي يتمتع بها تعلم اللغة، ومع مرور الوقت يسجل الدماغ هذه الأنماط ويدمجها في أشكال تواصل مكتوبة أو عفوية

التعليقات معطلة.