كما تعتبر مرحلة الطفولة هي فترة للنمو الجسدي والفيزيولوجي عند الأطفال، فهي أيضاً فترة النمو العقلي والنفسي، وكما أن الطعام والحركة يعتبران الغذاء الأساسي لعملية النمو الجسدي، فإن الحصول على المعلومات  وفهم حقائق الواقع يعد غذاء عملية النمو العقلي والفكري، ويعتمد الأطفال في حصولهم على هذه المعلومات على التجارب والملاحظات والاكتشاف، والأهم من ذلك الأسئلة والاستفسارات، والتي قد تبدو محرجة ومزعجة في كثير من الأحيان فالمعنين بالإجابة ليسوا دائماً جاهزين ويملكون القدرة على تقديم الإجابات المناسبة لهذه الأسئلة التي لا تحصى، ومن هنا تبرز ضرورة أن نتعرف أكثر على هذه الأسئلة من حيث شكلها ونوعها وأسبابها وطريقة الإجابة عليها.

 

منشأ ومصدر أسئلة الأطفال

تكمن أهمية معرفة المصدر الذي تأتي منه أسئلة أطفالنا المحرجة في فهم دوافعهم لهذه الأسئلة وغايتهم منها، وبالتالي البحث عن الطريقة المناسبة لتقديم الإجابة لهم، وإيصال المعلومات المرغوبة والصحيحة من جهة، وبالطريقة الأفضل ليتمكن الطفل من فهما وإشباع حاجته منها، وهنا يمكن أن نذكر بعض المصادر التي تنشأ منها أسئلة الأطفال مثل:
- الفضول كأحد مصادر أسئلة الأطفال: فالفضولية عموماً ولأسباب مختلفة تعد من صفات الأطفال الأساسية، وعندما يتعلق الأمر بالأشياء المحظور الحديث عنها أمامه أو تعريفه واطلاعه عليها، فإن شعوره الفضول سوف يتضاعف ويجد متعة في البحث عن إجابات مثل هذه الأِشياء.

- ملاحظات الأطفال وأسئلتهم المحرجة: يتمتع الأطفال بدقة ملاحظة شديدة وكل ما حولهم هو موضوع للملاحظة للاستفسار، وفي إطار دقة ملاحظتهم هذه قد يشاهد بعض تصرفات والديه مع بعضهما في إطار علاقتهما الطبيعية دون أن يشعرا بذلك وهو لا يفهم هذه التصرفات، ومن جهة أخرى قد يلاحظ أن والديه يقومان بالأِشياء التي غالباً ما يمنعاه عن القيام بها ويحذروه منها، وهذه الملاحظات من أكثر الأشياء التي تلح على الطفل ليسأل عنها ويفهما.

- أحاديث الكبار ومشاكلهم: في الحياة اليومية يسمع الطفل الكثير من أشكال الحديث من الكبار في محيطه، سواء في مشاكلهم أو مزاحهم أو حتى في أحاديثهم الطبيعية، وبعض الأطفال يبدون رغبة في المشاركة بهذه الأحاديث ويوجهون الكثير من الأسئلة حولها.

- الاطلاع على مواقف وأفكار وثقافات جديدة: كثيراً ما يقع تحت مرأى ومسمع الأطفال وملاحظتهم العديد من الأفكار والمواقف التي قد لا تتناسب بالضرورة مع ما اعتاد عليه في منزله ولدى أسرته، وذلك نتيجة اختلاطه مع ثقافات أخرى في المدرسة أو الشارع أو حتى من التلفزيون، وهذه الأشياء فيها الكثير من الأشياء التي يحتاج لمساعدة ذويه لفهما والاستفسار عنها.

- التجارب والاكتشافات: الأشياء والتجارب الجديدة هي إحدى خواص مرحلة الطفولة وهي بحاجة لفهم أسبابها وماهيتها، فمرحلة البلوغ مثلاً فيها الكثير من الأشياء التي لا يتمكن الطفل الكبير من تفسيرها بنفسه، وفي هذه الحالة من الأجدى أن يجيبه ذويه على أسئلته حولها من أن يحاول الحصول على هذه الأجوبة من مصادر تعتبر مضرة وغير موثوقة.

- الأحداث اليومية: وما تحتوي عليه هذه الأحداث من ملاحظات وأفكار قد تختلف في كثير من الأحيان عن المثاليات التي تعلمها الطفل من أسرته ومدرسته، وبالتالي يتشكل لديه الكثير من الأسئلة لفهم وتفسير هذه الأحداث، وهذا ما قد يسبب إحراج في كثير من الأحيان.
 

أنواع ومجالات أسئلة الأطفال

كل ما يقع تحت ملاحظة الطفل قابل لأن يتحول لسؤال لديه، فهو يرغب في أن يفهم أكثر عن ماهية كل شيء وأسبابه والغاية منه، ولهذا فإن مجال أسئلة الأطفال يتصف بالشمولية من حيث مضامينه، ولكن الخصوصية التي تميز طابع أسئلة الأطفال من حيث شكلها وطريقتهم في طرحها وغايتهم منها، يمكن أن يحدد عدة أنواع من الأسئلة تعتبر أكثر شيوعاً في مرحلة الطفولة، ومن هذه الأنواع:

- السؤال عن علاقة الوالدين: تتنوع أيضاً هذه الأسئلة فمثلاً قد يسأل لماذا لا تدعاني أنام معكما في الغرفة، أو قد يكون نوع الأسئلة حول طبيعية هذه العلاقة مما قد يلاحظه من تصرفات وكلام والديه مع بعضهما فيسأل الطفل والدته مثلاً لماذا أنا لا أتزوج من أختي مثلما والدي متزوج منك؟، لماذا كنتما تفعلان هذا الشيء أو ذلك، والكثير من الأسئلة الأخرى.

- الأسئلة الجنسية: فعند الاستحمام مثلاُ قد يسأل الطفل عن أعضائه الجسدية ولماذا هي موجودة وما وظيفتها ولماذا تختلف في أشكالها وأحجامها عند والديه، وخاصة تلك الأعضاء الجنسية التي تسبب إحراج وحيرة في طريقة الإجابة عنها لدى الأهل.

- أسئلة عن المكان الذي جاء منه: مثل من أين أتيت أنا وكيف جلبتموني ولماذا لا أستطيع أنا إنجاب طفل مثلكم، بالإضافة لبعض الأسئلة المتعلقة بعملية الحمل والولادة وكيف يحصلان وما هو سببهما، وهذه الأسئلة شائعة جداً بين الأطفال. 

- السؤال عن الفروق الجنسية: وهي تنشأ غالباً من ملاحظة الفروق بين جسد الطفل وبين أطفال آخرين في محيطه من الجنس الآخر وبالأخص أخوته، أو الفروق بين أجساد والديه، فيسأل الطفل ما سبب هذه الفروق ولماذا أنا لا يوجد لدي مثل هذه الأِشياء والأعضاء.

- أسئلة دينية: قد لا يتمكن الطفل دائماً من فهم لماذا هناك أشياء تعتبر من الحرام والمحظورات في مرجعه الديني، وأشياء أخرى تعتبر جيدة، وهذه الأشياء قد تحتاج لخبرات ومعارف فقهية للإجابة عنها، وقد لا يكون لدى ذوي الطفل المعرفة الكافية بهذه الأمور أو طريقة تفسيرها وشرحها.

- أسئلة عن التغيرات الجسدية: في مرحلة الطفولة المتأخرة عندما يحدث البلوغ لدى الأطفال، وتبدأ بعض التغيرات الجنسية والجسدية تحصل في جسدهم، تتشكل لديهم الكثير من الأٍسئلة حول هذه الأِشياء من حيث سببها وطريقة التعامل معها، وذوي الطفل هم المصدر الأفضل لشرح هذه المسائل لأبنائهم بطرق متناسبة مع ثقافتهم ومستوى وعيهم.
 

الطرق الخاطئة في التعامل مع أسئلة الأطفال

قد يكون المتسبب في إحراج الأهل من أسئلة أطفالهم أسباب متنوعة، مثل عدم معرفة الإجابة من قبلهم أو حساسية الموضوع الذي يسأل عنه الطفل وعدم وجود إجابة نموذجية يقدموها له متناسبة مع مستوى نضوجه العقلي والنفسي، ومن هنا يتصرف بعض الأهل بطرق خاطئة مع هذا النوع من الأسئلة، ومن بعض هذه الطرق المنتشرة:

التعامل بعصبية وتوبيخ الطفل: على غرار القول لا تتدخل في هذه الأشياء فهي لا تعنيك، إنها أشياء تخص الكبار وقد يصل الأمر إلى توبيخ الطفل وربما عقابه في بعض الأحيان بسبب توجيهه لهذه الأسئلة، وهذا سوف يؤثر على معارف الطفل من جهة وربما يؤدي لأن يبحث الطفل عن الأجوبة في أماكن أخرى.

الكذب على الطفل: مثل تقديم إجابات خاطئة واختلاق القصص والتفسيرات غير الحقيقية، وهذه التصرفات سوف تؤدي لترسيخ أفكار مغلوطة في معارف الطفل وثقافته، وربما تستمر معه حتى عندما يكبر.

- تأجيل الجواب باستمرار: عندما تكبر سوف تفهم وتعرف هي الجملة الأكثر شيوعاً للإجابة على أسئلة الطفل، قد تكون هذه الإجابة ضرورية في بعض الأحيان ريثما يبحث الأهل عن طريقة جيدة للإجابة عن سؤاله ولكن لا يجب استخدامها باستمرار، فهذا سوف يشكل حافز لديه ليبحث وحده عن الأجوبة وربما قد يسأل الغرباء.

- تقديم إجابة مباشرة صادمة: حيث يعتقد البعض أنها طريقة جيدة للإجابة على أسئلة الطفل المسببة للإحراج، ولكن في الحقيقة أن هذه الإجابات في كثير من الأحيان قد تكون أكبر من مستوى وعيه ويجب أن يسبقها الكثير من المعلومات ليفهم هذه الإجابة وبالتالي فإنها لا تؤدي الوظيفة المطلوبة منها.

- تجاهل أسئلة الطفل بطرق مضرة: مثل عدم الرد أو صرف الطفل للعب دون الإجابة عن سؤاله وربما في بعض الأحيان السخرية من هذه الأسئلة والضحك، وهذا التجاهل لا يجعل الطفل ينسى سؤاله ويتغاضى عنه بل ربما يصبح أكثر إصراراً على معرفة الإجابة.
 

الطرق الأفضل للتجاوب مع أسئلة الطفل المحرجة

ما يترسخ في ذهن الطفل من معلومات ومعارف وأفكار في سنه المبكرة، من المرجح أنه سوف يبقى كجزء من قناعاته وطريقة فهمه للحياة، ولذلك فإن أسئلة الأطفال حتى ولو أنها قد تسبب الإحراج في بعض الأحيان ولكنها ضرورية لاكتمال نموه العقلي والمعرفي، وهنا تبدو ضرورة فهم طبيعة هذه الأسئلة وغاية الطفل منها وتحديد وسائل جيدة للتعامل معها بما يناسب عمره ومستوى وعيه، ومن هذه الوسائل مثلاً:

- انتقاء مفردات ومصطلحات متناسبة مع عمر الطفل: فمن من جهة لا يمكن استخدام المفردات التي لا يعرف الطفل معناها كالمصطلحات العلمية الصعبة إلا من خلال شرحها للطفل، ومن جهة فهناك بعض الألفاظ التي لا تناسب عمر الطفل وقد يفهمها بشكل خاطئ، ولهذا يجب استخدام كلمات مناسبة لوعيه وفهمه.

- تقديم إجابة جزئية: فما يحتاجه الطفل من إجابات في المرحلة المبكرة من عمره مختلف عن المرحلة التي سوف تليها ويمكن إقناعه بإجابة جزئية تناسب عمره، وشرح باقي الإجابة في مرحلة لاحقة، فاليوم نقول له مثلاً أن الزواج يحتاج لعمر معين ولاحقاً نشرح سبب هذا.

- شرح الفكرة بشكل صحيح ومبسط: مثل مرحلة البلوغ من حيث أسبابها وتفسير الأعراض التي ترافقها، فنقول مثلاً نحن كبشر خلقنا الله جنسين وكل منا له وظيفته وهذه الأشياء التي تحدث يعني أنك تكبر وتنضج لتتمكن من أداء وظيفتك في المستقبل. 

- مشاركة الطفل في البحث عن أسئلته الصعبة: فقد يسأل الطفل عن أشياء لا يعرفها الوالدين وهنا لا داعي للحرج فهذه المسألة تعد فرصة لنعلم الطفل أن المعرفة ليست حكراً على أحد وللحصول على المعرفة يجب البحث عنها، وهنا ننمي لدى الطفل حب الاطلاع والبحث عندما يلاحظ أننا نشاركه.

- تحويل أسئلة الطفل: وهذه في حالات الأسئلة المحرجة جداً والتي لا يمكنه فهمها في هذا العمر، وهنا يمكن استغلال ذلك في توسيع أفاق الطفل وحثه على التعلم أكثر وزيادة معارفه ليتمكن من إدراك غاياته، فنقول له مثلاً حتى تفهم هذه المسألة يجب عليك أولاً أن تفهم أشياء أخرى.

أسئلة الأطفال عموماً سواء المحرج منها أو العادي والبسيط، تعد بمثابة بوابة معرفية ينهل منها معارفه وخبراته التي لا يستطيع بسبب ضعف إمكاناته بلوغها بفرده، فحتى ولو كانت هذه الأسئلة تتسبب في الإحراج لذويه أو معلميه لا يمكن إغفال أهميتها في بناء وتكوين شخصيته، ولذا من الأفضل معرفة كيف يمكن الإجابة عنها بشكل صحيح، بحيث يحصل هو على المعلومة التي يريدها من جهة، ونتجاوز الموقف المحرج التي تسببه من جهة أخرى.