أورد المفكر النمسوي لودفيغ فيغنشتاين في كتابه “تحقيقات فلسفية” الصادر عام 1953: “لو استطاع الأسد أن يتكلم، لما استطعنا فهمه”. وكان يمكنه بالقدر نفسه أن يقول إننا لو استطعنا التحدث مع نموذج لغوي ضخم، لما فهمناه أيضاً. وهو على حق: نحن لا نفهمه. ومع ذلك نواصل إجراء تلك المحادثات.
ليس واضحاً تماماً ما الذي كان فيغنشتاين يقصده تحديداً، فعبارته أقرب إلى استفزاز فكري بين استفزازات أخرى. لكني كثيراً ما فهمتها كتأمل في أن اللغة تقوم على شبكة كاملة من الخبرات التي لا بد من أن نفهمها كي نفهم الكلام نفسه. وقبل فقرتين من جملته عن الأسد، يلاحظ فيغنشتاين أن البشر أنفسهم قد يكونون غامضين بالنسبة إلينا، حتى إن فهمنا كلماتهم.
وأضاف فيغنشتاين،”ندرك ذلك عندما نصل إلى بلد غريب بتقاليد غريبة تماماً، وحتى لو أتقنا لغته، فإننا لا نفهم أهله (وليس لأننا لا نعرف ما يقولونه لأنفسهم). إننا لا نجد موطئ قدم معهم”.
وهذه هي المعضلة بالنسبة إلى النماذج اللغوية الكبرى مثل “تشات جي بي تي”. فقد أتقنت لغتنا، لكنها تجهل تماماً تقاليدنا الغريبة. وهي لا تستطيع أن “تجد موطئ قدم” لأنها لا تملك أقداماً أصلاً، بل لا تعرف ما تعنيه كلمة “قدم” سوى أنها لفظ يأتي عادة في جملة مع ألفاظ أخرى.
ومع ذلك، لا يتوقف الناس عن محاولاتهم للسير في “نزهات فكرية عميقة” مع “تشات جي بي تي”. وقد كشف عن حجم ذلك هذا الأسبوع، عندما أعلنت شركة “أوبن أي آي” المالكة لروبوت الدردشة أن 7 من كل 10 آلاف مستخدم للبرنامج في أسبوع واحد أظهروا “علامات محتملة على حالات نفسية طارئة مرتبطة بالذهان أو الهوس”. وقد يبدو الرقم صغيراً، لكنه هائل بالنظر إلى أن عدد مستخدمي التطبيق يبلغ 800 مليون أسبوعياً، مما يعني أن تلك النسبة تضم مئات آلاف الأشخاص. وفوق ذلك، لا يشمل هذا الإحصاء الأشخاص الذين قد لا تكون مناقشاتهم حول صحتهم النفسية مقلقة بما يكفي لتفعيل الأنظمة التلقائية لدى “أوبن أي آي” لرصد علامات الضيق، لكنها تبقى مهمة ومؤثرة مع ذلك.
وتكمن المشكلة جزئياً في أن “تشات جي بي تي” موهوب لغوياً، لكنه في جوهره متملق عديم الإدراك؛ ولو كان شخصاً لسجل علامة قصوى في اختبار “معدل الذكاء” IQ، مع صفر من “معدل الذكاء العاطفي” EQ. ويعني ذلك أنه الشخص الأسوأ للتحدث إليه حول صحتك النفسية، ومع ذلك يسهل الانجذاب إليه والبوح له بالمشكلات. وسيقول كل العبارات الصحيحة، لكنه لن يعني أياً منها. ويمنحك إحساساً بأنك شاركت همك مع أحد، لكن المشاركة الحقيقية عملية متبادلة ونشطة من الطرفين، تتطلب وجود شخص يتلقى بقدر ما يعطي.

التعليقات معطلة.

